القاضي النعمان المغربي
267
المجالس والمسايرات
وقال : قلّبت كتبه فمرّت بي على غير تعمّد . ورأيت الرّقاع الثلاث التي كتب القائم والتي كتب المنصور والتي كتبت أنا كأنّها كتبت من نسخة واحدة يقابل بعضها بعضا . وكان فيها : ادّعى وصيّة فلان فلان وفلان ، فنظرت إلى كتاب كلّ واحد منهما فرأيت أنّ فلانا أحقّ بذلك لوجه كذا ووجه كذا / ، لم يزد ما في رقعة منها على أخرى . ( قال ) فأدناني المنصور باللّه إلى نفسه واعتنقني وضمّني إلى صدره وقبّل صفحة عنقي وألصق خدّه إليها مدّة طويلة وهو يبكي حتّى بلّ [ ت ] دموعه أطواقي وبكيت لبكائه . ولا واللّه ما علمت ما كان معنى ذلك البكاء حتّى قبض ( صلع ) فعلمت « 1 » حينئذ أن ذلك كان وداعا منه لي ، وأنّه رأى - لمّا رآه - أنّ في ذلك أجله قد قرب لما رآه انتقل إليّ من التّأييد . وليس هذا الذي قاله المعزّ ( صلع ) بخلاف ما قاله من انتقال ما عند الماضي ، وإنّما ينتقل إلى الباقي في آخر دقيقة تبقى من نفس الماضي ، إنّما ذلك في إكمال الأمر واستحقاق الإمامة / ووجوب الطاعة ، لأنّ ذلك لا يكون في اثنين باقيين . وأمّا الدّلائل والبراهين والقوّة والتأييد فإنّها توجد في الحجج في حياة الأئمّة كما ذكر ( صلع ) ، وتزيد حالا بعد حال إلى وقت الكمال ، كلّما قرب أجل الإمام تقوّت أسباب حجّته وظهرت علاماته . ولذلك ما كان من بكاء المنصور ( صلع ) : لمّا نظر إلى المعزّ ( صلع ) قد وافقه ووافق القائم ( عم ) علم أنّ ذلك من قوّة الدلائل ، وأنّ أجله قد قرب . وعلى مثل هذا تجري أمور أكثر العالم ، لا ينتقل الشّيء إلى الشيء دفعة واحدة ولا يكون ذلك إلّا على التّدريج والنموّ شيئا بعد شيء كنموّ الخلق ودخول الفصل من / الزمان في الفصل ، حتّى ينقضي الشّيء من الشّيء ويخلص بنفسه ويتبيّن بحالته وينسخ ما قبله . ومن ذلك ما روي عن جعفر بن محمد ( صلع ) أنّه قال : عليّ ( صع ) عالم هذه الأمّة ونحن نتوارث علمه ، وليس يهلك منّا هالك حتّى يرى من أهله من يعلم مثل علمه ( صع ) .
--> ( 1 ) ب : ما كان . . . فعلمت . . . ساقطة .